التربية الإسلامية بالمغرب : مادة لتلقين الدين أم لتفريخ الإرهابيين؟

آخر تحديث : الخميس 6 أكتوبر 2016 - 12:59 صباحًا
unnamed-2

مجلة حقائق مغربية 

حرب ضروس ما نزال نعيش بعضا من فصولها بين تيارين في المجتمع المغربي، تيار ثمن الدعوة الملكية لمراجعة المناهج الدراسية الدينية، وتيار رافض لها بدعوى أن هذه المناهج لا تشكل أي خطر على وسطية الإسلام المغربي.

 “حقائق مغربية”، ومواكبة منها لهذا النقاش المصيري، وعملا منها بمنطوق قوله تعالى فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ”، حاولت أن تجيب عن سؤال: هل فعلا يجوز لنا أن نتهم مادة التربية الإسلامية التي ندرسها لتلامذتنا في المؤسسات التعليمية منذ السنة الأولى ابتدائي إلى غاية السنة الثانية بكالوريا بتحمل جزء من المسؤولية في شحن أبنائنا بالفكر المتطرف المفضي في غالب الأحيان إلى أحضان الإرهاب؟ وبعبارة أخرى هل أخطأ جلالة الملك في دعوته إلى مراجعة مقررات مادة التربية الدينية في المغرب كما يلمح إلى ذلك بعض قيادات الإسلام السياسي؟ سؤال طرحته على سليمان قراري، أستاذ مادة التربية الإسلامية بالثانوية التأهيلية عثمان بن عفان التابعة للمديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بالناظور، فأمدها بالدراسة التالية:  

قراري: هكذا تساهم مقررات التربية الإسلامية في نشر التطرف

لقد تعلق موضوع التطرف بالفقه القاصر للتديّن، وهو يتخذ عند المحققين أشكالا، أكتفي ببعضها، محاولا معالجتها بطريقة أصولية، وقد حصرتها في الوضعيات التالية: النص ـ الموضوع ـ المصطلح ـ المنهج ـ باعتبار أنها اللبنة التي تنبني عليها مادة التربية الإسلامية. كما أني مقتصر على  المستوى التأهيلي لخبرتي المتواضعة به.

 أولا: وضعية النص:

يعتبر النص الديني مادة خاما، توظّف لأجل تمرير الأحكام وترسيخ المفاهيم، والزّلل في توظيفه، قد يورث تطرفا من وجوه: أولها أن يكون النص موضوعا، لا عهد للشريعة به، كالحديث المقرّر في درس السنة النبوية من رواية البيهقي: [يحمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَحْرِيفَ الْغَالِينَ] ولا أدل على وضعه من مفرداته، التي تعوّد المتعلم التهجم على المخالفين. والوجه الثاني: أن النص صحيح طريقا، ضعيف أصولا، والمراد به معارضته للأصول، كأصل القرآن، أو صحيح السنة، أو شهادة التاريخ، أو أثر الطباع. والغفلة عن هذه الأصول، توقع المتعلم ـ لا محالة ـ في نصوص شاذة. ومثاله، ربط الظواهر الطبيعية بالغضب الإلهي، فبدلا من مواساة الأمة المصابة، نجد أجيالنا يرمونها بعبارات التفسيق والتجوير، وهو أمر طبيعي، ما دام المتعلم لم يعهد فرقا بين الخلق والأمر الإلهيين. والوجه الثالث: أن ننزّل النص دون اعتبار لقواعد التنزيل، ومثاله حديث [ أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ لَمْ تَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ]  رواية أبي داود، وإني لأتعجب من مجراه في الواقع، فعادة المرأة، أنها لا تقدم على الطلاق إلا لعلة، وليست كل العلل على نسق، فمنها ما يتحرج اللسان من ذكره، خصوصا أمام الأبناء، فما موقف المتعلم ـ والحالة هذه ـ من والدته، وقد تلقى هذا النص في درس الطلاق، فكان الأولى أن نتلطف به، لا أن نحدث في نفسه قرحا، تجاه أقرب الناس إليه. والوجه الرابع: فهم النص بمعزل عن السياق، كالحديث المتعلق بدرس التشريع الجنائي: قوله صلى الله عليه وسلم [لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِيْ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّاركُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ للجمَاعَةِ.] فأقصى ما يستوعبه المتعلم، هو أن المرتد يستحق القتل، وله أن يجتهد في طريقة قتله، بغض النظر إن كان نقضُ البَيْعة ـ المعبّر عنه بمفارقة الجماعة ـ شرطا أو وصفا زائدة.

  وفي اعتقادي أن مثل هذه النصوص، المشيرة إلى الوعيد استثناء، والمتعلم في طوره التربوي، أحوج للقواعد والكليات، منها إلى الاستثناءات. كما أن الناظر في مقررات المادة، يجدها تسوق النصوص سوقا، ولا تتفادى ما عساه أن يحدث في فكر المتعلم خلطا. ذلك أن النص الواحد، قد يضم أحكاما عديدة، فينبغي الاقتصار على حاجة الموضوع المقترح، كما هو شأن النص المذكور، جيء به لحماية العِرض، فإذا بالمتلقي يصطدم بما لا عهد له به،  كحُكم الرّدة، وهي ليست من المسائل التي تساق دون تبيان، لجلل وقعها المتعلق بالدماء. والعجيب في الأمر أن المتعلم قبلها، تناولا درسا في التفكير المنهجي، فجيء بقوله تعالى: [ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ] (الكهف/29) من أجل الاستدلال على حرية المعتقد، فكيف يوفق بين هذا وذاك ؟          

ثانيا: وضعية الموضوع:

إن طبيعة الموضوع، إن هي ترفعت عن الواقع، أفرزت لنا جيلا مثاليا من المتعلمين، ولمجرد أن يحتك هؤلاء بالواقع المعاش، انقلبوا خائبين متطرفين. مما يقتضي طرح موضوعات، تضم جوانب إشكالية مُعاشة. ومثاله، ما هو مقرّر من المعالم الإسلامية، كعالمية الإسلام، ووسطيته، وعدالته. فأن يدرك المتعلم أيضا واقع القومية والعنصرية، والتعصب المذهبي، والاستبداد الفكري، من مقتضيات الحال.  ثم إن عدم الالتفات إلى بعض المواضيع، كفقه الجهاد ليس حلا، فإن المتعلم مقبل عليه في مواقع، ولا أحسبها إلا متطرفة. ثم إنك تجد الغزوات والسرايا، مفصّلة في مادة السيرة النبوية، يتلقاها المتعلم مجردة من الضوابط، فيتعرض إلى الاستشكال. وفي نظري الاكتفاء بنموذج منها سردا وفقها، كفيل بحصول المراد. وهذا الأسلوب يحصن المتعلم، ويصيّره مدركا، للبَوْن الشاسع بين الإرهاب والجهاد.

ثالثا: وضعية المصطلح:

لا يخفى أن الألفاظ في الشريعة لها مدلولات معتبرة، وهي تختلف عما اعتاده الناس من لسان العرب، كألفاظ الكفر والإيمان، والنفاق والإحسان، لم تعد جارية على مراد لغة الشعر العربي، بل صرفها الشارع، وأراد بها معاني مخصوصة. ولما كانت النصوص، مركبة من هذه المصطلحات الشرعية، فلا خفاء أن تفسيرها بمعهود اللسان العربي يحرف مجراها. مثاله، لفظ النفاق، اشتهر بين العامة بالفهم اللغوي: [إظهار المرء خلاف ما يبطن] مما أسهم في وصف الناس بالنفاق لأتفه الأسباب، وهذا مخالف لمراد الشرع منه. كما أن لفظ الكفر، عُرف بين العامة والخاصة على أنه عدم التصديق، قلبا ومقالا وفعلا. أما الشارع، فقد أراد به الامتناع والتصدية معا، أي امتناع الشخص عن الإيمان والتصدي له. والمتعلم إذا مرت عليه هذه المصطلحات وغيرها، ولم يكن له عهد بمعانيها اللغوية والشرعية، لا شك أنه معرّض للتطرف.

رابعا: وضعية المنهج:

إن الزلل في المنهج يؤتى من وجوه، الوجه الأول اعتبار ما توصل إليه علم الكلام من مقولات، موضوعا مقرّرا. وهذا الخلط بين علم الكلام والعقيدة، شائع في المقررات. ومثاله، ما هو مقرّر في تقسيم الصفات، وبيان محلها من الذات، وما يجري عليها من مصطلحات معقدة. تنفّر المتعلم، بل وتبعث فيه شرارة التمذهب، وتصور له الأمة شيّعا، كلها في النار، إلا ما أنا عليه وأصحابي. ونحن إذا ما أمعنا النظر في مقالات المتكلمين، لم نقف في تنازعهم على شيء، فلا حاجة للمتعلم لهذه المتاهة. والأنسب أن يقف على ماهية الصفات، بمعزل عن محلها. والوجه الثاني، اعتماد المنهج الاستنباطي، في التعامل مع النصوص، فلا تكاد تجد درسا إلا وقد استهل بنص مؤطر. وأحسب أن تكوين المتعلم، يتطلب أيضا الانتهاء إلى النصوص بنفسه. وفائدة هذه الطريقة، أن نكشف عن النصوص الموجهة لسلوكه الديني، بأن يطرح ما عنده منها، ثم تخضع للتصحيح والتعديل. وكثير من المتعلمين إن سألتهم ـ مثلا ـ عن حكم تارك الصلاة، لم يتنزهوا عن تكفيره، وقبلها كان لهم عهد بدرس الوسطية والاعتدال. والوجه الثالث: منهج الترهيب: المتعلم في طوره المدرسي، بدلا من تعليمه بهذا الأسلوب، علينا أن نقربه إلى الدين، انطلاقا من تعريفه بصفات الجمال الإلهية، وهي الأصل في الصفات، وما عداها من صفات الجلال متولدة لعلة. والمتعلم لم يستكمل بعدُ شروط التكليف، حتى يـُخاطب بها. كما أن الاقتصار على أساليب الترغيب، أنسب لوضعيته المبكرة، فبدلا من انشغاله بالتخويف من الجحيم، نرشده إلى سبل النعيم في الدارين. والله أعلم.  

 

2016-10-06
حقائق مغربية