Advert Test

الداعية العثماني: دولة الخلافة لم ينص عليها قرآن ولا سنة

آخر تحديث : الأحد 25 ديسمبر 2016 - 12:33 صباحًا
الصادق العثماني مع وزير اﻷوقاف والشؤون اﻹسلامية التركي
الصادق العثماني مع وزير اﻷوقاف والشؤون اﻹسلامية التركي

هل وضع الدين الإسلامي من خلال نصوصه المؤسسة نظاماً محدداً للدولة في بلاد المسلمين؟ وهل تعتبر دولة الخلافة فعلاً التجسيد الفعلي لتعاليم الإسلام؟ أسئلة من بين أخرى ما يزال المسلمون يختلفون بشأن الإجابة عنها رغم مرور أربعة عشر قرنا من تاريخ الإسلام، يتناولها بالتمحيص الداعية الإسلامي المغربي المقيم بالبرازيل فضيلة الشيخ الصادق العثماني في هذا الحوار الذي أجرته معه “حقائق 24” الإلكترونية على هامش مشاركته في “مؤتمر تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” الذي اختتم أشغاله مؤخراً بأبوظبي.  حوار عميق انتقد فيه الداعية الإسلامي المنتمين إلى التيارات الدينية المعادية للدول الوطنية، واصفاً إياههم بتجار الدين.

حاوره: عبد الله الفرياضي

– كيف تنظرون إلى الصراع الذي تشهده البلاد الإسلامية. وبالأخص بلادنا المغرب، بين دعاة الدولة القومية والمدافعين عن الدولة الوطنية؟

في الحقيقة هذا الصراع تؤطره مرجعيتان أساسيتان، مرجعية علمانية حداثية ديمقراطية وهذه لا أتحدث عنها الآن، وهناك مرجعية الجماعات الدينية بتلاوينها وأطيافها المختلفة التي تحاول أن تقنع الناس بأنه لا تقدم ولا رخاء ولا ساعدة ولا قوة إلا بعودتنا إلى “الإسلام”، فنجاحنا فيه وخرابنا وتخلفنا في الإبتعاد عنه كما يدعون. ولهذا رفعوا شعارات براقة منها، القرآن هو الحل، تطبيق شرع الله، الدولة الإسلامية، الخلافة الإسلامية على منهاج النبوية وهكذا. وعندما نمعن النظر في هذه الشعارات نجدها جذابة وبراقة تستهوي الشباب المسلم الذي يعيش في فقر وبؤس فقهي ومعرفي تدفعه هذه الشعارات إلى ساحة “الجهاد” والقتال طمعا في تلبية شهوته بالحور العين في الآخرة، الذي عجز عن تلبيتها في حياته المعيشية، ولهذا تهييج الشعوب العربية المسلمة بالدين أمر خطير وخطير جدا، لأن الدين سيف ذو حدين كما يقال، يمكن استعماله في بناء الإنسان والأوطان أو العكس. لكن للأسف الإستعمال الثاني هو الحاصل اليوم في بلادنا العربية والإسلامية، وهذا ما يدفعنا إلى انتقاد هؤلاء، لأنهم جعلوا دين الله تعالى سياسة وتجارة يبيعون ويشترون فيه حسب أهوائهم ومصالحهم الشخصية الضيقة، ويتقلبون معه حسب الزمان والمكان والمصلحة والمنفعة، أينما كانت مصلحتهم فثم شرع الله، لهذا يتلونون في مواقفهم ومبادئهم كل يوم وحين .. ونحن عندما نعارض هذا التوجه لا نعارض الإسلام كدين وقيم إنسانية نبيلة ومنهاج حياة وفلسفة عميقة للكون والوجود الإنساني عموما، وإنما نعارض مفهومهم لهذا الدين ولرسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله رحمة وسلاما للعالمين، بحيث فهموا رسالة الإسلام بمفهوم ضيق وعقيم حصروه في تقصير السراويل وتطويل اللحى.. ولهذا قال الداعية محمد الغزالي رحمه الله في نوع هؤلاء “ثرثارون في عالم الغيب خرس في عالم الشهادة..”  فنانون في زرع الفتن بين المسلمين وتبديعهم وتكفيرهم وإخراجهم من ملة محمد صلى الله عليه وسلم، عاجزون في إطفاء الحرائق التي أشعلوها بأنفسهم في جسد الأمة من المحيط  إلى الخليج، ومن طنجة إلى جاكارطا..ومازالت الحرائق مستمرة بسبب هذا التفكير المثالي والخرافي الذي ينهجونه في خطاباتهم ودروسهم ومطوياتهم ومواقعهم، ولهذا أكبر وهم صدرته هذه الجماعات اﻹسلامية للشباب المسلم في العصر الحديث هو إقامة دولة الخلافة اﻹسلامية التي يجتمع تحت ظلالها جميع دول العالم اﻹسلامي، والهدف من وراء هذا الشعار، هو ضرب الدولة الوطنية التي يعتبرونها نموذجا لدول الكفر، ومن تشبه بالكفار فهو كافر حسب زعمهم…

في هذا السياق تحديداً، الأطروحات السياسية المعاصرة تكاد تتفق على سمو الدولة الوطنية على ما عداها من التشكيلات السياسية الأخرى، غير أن أصحاب التصور الإثيولوجي للدولة بشكل خاص ينتقدون الدولة الوطنية تحت ذريعة تعارضها مع الدين. هل تعتقدون أن ارتكاز الدولة العصرية على المقوم الوطني يتنافى فعلا مع الدين الإسلامي؟

الدول الوطنية عندهم دول كافرة يجوز الخروج عليها وإعلان الحرب والجهاد ضدها وعدم الولاء لها..فهذا الوهم تجدر في الوعي الجمعي للمسلمين وخصوصا الشباب منهم، فاندفعوا إلى قتل أنفسهم وقتل اﻷبرياء معهم طمعا في تحقيق هذه الخلافة التي ﻻ وجود لها أصلا في التاريخ اﻹسلامي، كما أنه لم ينص عليها ﻻ قرآن وﻻ سنة، وإنما الرسول صلى الله عليه وسلم ترك اﻷمر شورى بين المسلمين في تحديد معالم دولتهم وتسيير دفة الحكم من خلالها حسب الزمان والمكان ومستجدات العصر ومستحدثات اﻷمور، بشرط الحكم بالعدل بين الناس، مع الحفاظ على أعراضهم ونفوسهم ودينهم وأموالهم وعقولهم..فكل دولة تحافظ على هذه المقاصد الكبرى للبشر فسميها بأي اسم شئت؛ دولة الخلافة أو جمهورية أو ملكية أو إمارة او اتحاد أو وﻻية..والعبرة بالمضامين ﻻ بالمسميات والعناوين، وكم من خليفة للمسلمين لقب بالسفاح لكثرة اراقته لدماء اﻷبرياء ؟!! . . وفي هذا السياق اعتبر د. شوقي علاّم، مفتي الديار المصرية أثناء كلمته التي قدمها في مؤتمر تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة في أبوظبي الذي عقد قبل يومين حول موضوع “الدولة الوطنية” أن “موضوع المصلحة وتدبير الدولة في الفقه السياسي الإسلامي يدخل ضمن الإطار العام لفكرة الدولة الوطنية، التي لطالما سعت الجماعات الإسلامية بين الوقت والآخر أن تنحي جانباً منظومة الدولة الوطنية على اعتبار أنها نبتة غريبة وغير صالحة، وعملوا في سبيل ذلك على تكوين كيانات متعددة هدفها تنحية جانب من مشروعية الدولة، حتى وصل بها الأمر إلى تكوين كيانات عسكرية تدافع عن أصحاب الحق كما يزعمون. مؤكداً أنه “يجوز لأي دولة ما، أو أصحاب الفكر والعلماء، أن يستعينوا بأنظمة؛ حتى لو كانت من عند غيرهم؛ طالما أنها تحقق مصلحة ولا تعارض مبدأً أو عرفاً” , وقال: “لا يجوز نزع الشرعية عن الدول الوطنية، التي نشأت في هذا القرن، فهي موافقة لمقاصد الشريعة في النظام والانتظام وفي العمران البشري وفي المحافظة على الأمن والسلام والشعائر.” كما أوضح الشيخ عبد الله بن بيه ريئس المؤتمر “أن الدين الإسلامي يحيل إلى مصالح العباد، فهذه الإحالة بين الديني والدنيوي جعلت أكثر الناس يخطئون، فبعضهم يأخذ بظواهر النصوص وبعضهم الآخر يقول أنه يجب أن لا نغادر دار الدين لندخل في مجال آخر..” مضيفا ومبينا أن “الدولة الوطنية المعاصرة تستمد مشروعيتها من قاعدة تحقيق المصالح ودرء المفاسد، مشيرا إلى أن “دولة الخلافة صيغة حكم غير ملزمة للمسلمين” حسب دراسة مؤصلة قدمها الشيخ عبد الله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة الذي أكد أنه: “لا مناص من تجديد الخطاب الإسلامي لخلاص الأمة “.

وشدد العلماء والمفكرون في هذا المؤتمر الإسلامي بأبوظبي على أن طبيعة الرسالة المحمدية باعتبارها الرسالة الخاتمة، اقتضت أن تتسع أصولها ومقاصدها للبشرية جمعاء، وأن تترك للرأي والعقل والتجربة الإنسانية النصيب الأوفر في تدبير ما الأصل فيه التغير والتطور كمسائل الدولة ووظائفها ومؤسساتها .